رفعا للعتب فقط

كتبهاحكيم الأسمر ، في 4 أغسطس 2007 الساعة: 04:50 ص

نحن أمة ستقرأ.

هذه قناعة تستقر في عقل من يرى جانبا من الإعلانات التي رافقت الحملة القومية المصرية لحث الجمهور على القراءة. والمصريون جزء من عرب لا يقرأون أكثر من 6 دقائق بالسنة بحسب آخر حسبة: يصدمنا أن نعرف أن معدل قراءة العربي كان منذ خمس سنوات فقط 120 دقيقة في السنة, وأكثر من ذلك كان معدل كتابين في السنة منذ 10 سنوات.

السيدة في الإعلان -أجهل من هي- حثت المصريين على القراءة على الشاشة, بينما أمسكت بكتاب لحائز نوبل, الروائي نجيب محفوظ, الذي لم يحدث أن طبع أكثر من عشرة آلاف نسخة في مصر على شهرته وكثرة انتاجه الأدبي والجوائز التي حصد. إنه أسطورة باختصار رغم عدم الاطلاع الكافي على منتجه, ولست أقصد هنا النقاد والأدباء وآخرين ممن أدركتهم حرفة الأدب فجاعوا, ولكني أقصد بقية من لم تضحك من جهلهم الأمم وحسب, بل من فرط تبعيتهم وتمسكهم بتكنيك الزواحف والدواجن -على حد سواء- في العيش أيضا.

نحن لسنا أمة أصلا. نحن قبائل وعشائر وميليشيات ومذاهب. هذا مفهوم أدركناه مذ تفتحت أعيننا على الواقع الممزق الذي نحيا. ببساطة, نحن عرب برسم التشرذم وليس الوحدة / كنا ننتظر أي متنفس صغير لكي ننفجر في وجه "طغاة" الأمس و"بائدي" اليوم. كأنما خلا سجلنا من الخطايا لنرجم هؤلاء الاستثنائيين بألف حجر؛ حتى أن مصريين لا زالوا للآن ينتقدون, بل يهاجمون ثورة الضباط الأحرار التي قادها عبد الناصر.

مصر كلها, التي تشهد الآن حملة قومية لتحفيز الناس على القراءة, كان معظمها مستفيدا من ثورة عبد الناصر. مجانية التعليم, التأميم, وغيرها من فوائد الثورة. في المقابل ثمة سلبيات وهضم للحقوق, ولكن ما كان ذنب عبد الناصر حتى يشتم في قبره على هذا النحو!

الجواب أننا لا نقرأ. نتقزز من الكتب, ونجهل تاريخنا, ونحتقر من يقرأ أصلا.

هؤلاء معهم كامل الحق. فمن المستحيل ألا يتذكر أي منا, بلا أي استثناء, التدليس الذي كان يملأ كتب التاريخ: كنا نسأل آخرين للتأكد ومعرفة المزيد, كنا نتحقق من صحة كتب الدولة عبر التاريخ الشفوي, ومن رحِم الرب كان يقرأ لمجرد التثقف.

الحملة المتصفة بالتوعية بحد ذاتها فاشلة. نحن لا نحتاج توعية بالمرة. نحتاج إعادة تأهيل, وتمدين وتحضر. لا برؤيا خارجية وتطبيق عربي, بل بتطبيق عربي ورؤى عربية خالصة. كم نحن بحاجة للتوقف عن قراءة التاريخ للعيش فيه! نريد تاريخا لنعرفه لا أن نستقر هناك ونركن إلى بؤس اليوم.

التوعية ليست فنا, بل -رسميا- تبدو رفعا للعتب, وما كانت لتكون الحملة جارية الآن لولا الضغط المتأتي من أدباء وعلماء لغة ومثقفين لإعادة إحياء اللغة العربية التي فقدنا أغلب مصطلحاتها وفصاحتها عبر المئة سنة الماضية من البدائية والتجهيل والحكم العربي الخالص. هنا المفارقة, أنّا كنا غير محتلين, وكنا مثقفين كأمة.

انظروا لبيروت الآن: ساحة صراع سياسي عالمي إقليمي بغطاء مذهبي. خلاف يراد له أن يبدو كأنه خلاف بين مسيحي وآخر, ومسلم ومسيحي, وسني وشيعي / اللعنة: من كان يصدق أن بيروت التي تغرق في عصيانها ودمها ويحكمها قاتلوها أنها كانت تدعى يوما عاصمة الثقافة العربية؟ من يصدق أن القاهرة التي يسحل فيها الناس ويعذبون حتى الموت لمعارضتهم لحكم عصابة القصر الجمهوري كانت ملتقى لفحول الأدب العربي؟

العمالقة على الرغم منذ ذلك ليسوا بالضرورة مثالا يحتذى. وليسوا أصناما أيضا. نحتاج لتحطيمهم في النهاية. محمود دوريش صرخ "اقتلوني! اغتالوني!" شعريا. اقتلوه بالنص, صفّوا الشاعر رقم واحد عربيا. كيف ذلك ونحن حتى لم نقرأ أغلب ما كتب؟ بل يكاد العربي يموت دون يقرأ كتبا بعدد سنواته التي قضاها على هذا الكوكب.

نحن أمة لا تقرأ, ولكنّا سنقرأ, ولكن متى, لا أحد يدري بعد.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر