سترة نجاة
كتبهاحكيم الأسمر ، في 18 تشرين الثاني 2008 الساعة: 21:01 م
لا اثق بالحكومة، ولا بالسيارات الحديثة ولا بالطائرات، وحضوري في المطارات طارئ وضروري في المجمل. ما الذي أفعله في المطار الى ان يقترب موعد الاقلاع؟
احصي كل النساء اللواتي يحملن حقيبة يد كن قد وضعن فيها ما تبقى من سنتات ويوروهات / بطاقات اعمال وعناوين لاماكن لن يذهبن اليها / علكة مخدات -النسخة الألمانية / سجائر بنكهة النعناع / جواز سفر بال يظهرن فيه بمكياج غير متقن وفاضح / مزيل رائحة الإبط / كتاب من اكثر الكتب مبيعا لاوقات الانتظار….
تلك امرأة معاصرة علر حافة الثلاثين، وليست أم العبد قطعا، أو قل أم غريغور، أو أما بالمطلق، تتخذ وضعية صديقة تسكن مع رجل لا مبال.
أبحث في المطار عن ركن للمدخنين. لا أجد مكانا واحدا لكي أدخن فيه. أي نوع من المطارات هذا؟ وللمفارقة أذكر أن صديقا التقط صورة لي وانا ادخن، وتظهر في الخلفية لافتة ممنوع التدخين، كان هذا في مطار الملكة علياء على كل حال. حتى اني قابلت عاملا وافدا حالما وطئت قدمي أرض الأردن.
تذكرت. معي كتاب لم أقرأ منه سوى بضع صفحات بحجة أنه يحتاج ذهنا صافيا وسماء من ذهب. من قال إن الفلسفة جعلت من حيات الكائنات أسهل؟ هراء. هي فلسفت كل شيء وجعلت الحياة أصعب! ويصعب علي أن أقرأ سطرا واحدا في هذا المطار السخيف، فهو مزدحم وصاخب، والمرأة التي تتحدث طيلة الوقت معلنة وصول او تأخير او إقلاع الرحلات ذات صوت نشاز ولا يليق.
أتذكر نكتة في السياق. يقال ان رجلا طلب اليه اسكات المسافرين المزعجين، ففتح باب الطائرة وقال لهم ان يتسامروا خارجا. وبالفعل، هدأت الطائرة. هل وقعت؟
ثم هأن طاذرة تحط. بالإمكان رؤية ذلك عبر زجاج ردهة المنتظرين: السائق يدخن، ويشرب قهوة بكأس بلاستيك كان قد اشتراها من قهوة على رصيف الغيم، ويلاحظ أنه لا يربط حزام الأمان، وقطعة حديد تزن بضعة آلاف طن وتحلق على علو بضعة آلاف قدم في الجو ليست جديرة بالثقة. هل أسافر؟ أنا خائف بصراحة.. تعلن الرحلة ١٢١٣ فتح البوابة.
ينفتح باب الطائرة فيصطف الركاب للدخول، وتكون التدابير الأمنية أخف. اذ ليس بإمكان احد التخمين ان انتحاريا فاشلا قد يعود لالوطن حاملا لغما او حزاما متفجرا في الحقيبة. هل قلت وطن؟ هو مجرد مكان نأوي إليه كمنزل، وهناك فرق واضح، تماما كالفرق بين كلمتي home و house الانجليزيتين.
أمشي في الممر الضيق للطائرة. أقابل مضيفات ومضيفين ينظرون إلي باستغراب: كأنما يقولون ما الذي يفعله عربي أسمر على متن الطائرة؟. لا أهتم وأواصل البحث عن مقعدي. وها هو، بجانب عجوز عصبية ونزقة، وتتمتم كثيرا كأنما تشتم.
….
إجراءات السلامة تعرض على شاشات تنفتح من السقف، كأنما يهيؤونك لسقوط محتمل. أنت لا تعرف جدوى سترة النجاة التي تنتفخ حول العنق إذا ما سقطت الطائرة على اليابسة. إن ذلك كأن ترمي بلوح خشب لرجل تبتلعه رمال الصحراء.
أزعجتني تلك العجوز أثناء نومها. أنا أعرف أن الناس ينامون أقل كلما تقدموا بالعمر، بينما هذه الشمطاء تشخر منذ أقلعنا، وتملكني مغص في معدتي - قلت مرارا اني اكره السفر بالطائرة، وبكاء الأطفال في المقصورة يزيد الأمور سوءا. ويا له من ثنائي شاب جلس خلفي وثرثر بلا توقف.
فتحت الباب وطردتهم: تحدثوا خارجا أيها السفلة.
ولم تقع الطائرة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























