"….."
كتبهاحكيم الأسمر ، في 29 تشرين الأول 2008 الساعة: 18:18 م
ليس بإمكانك التذمر هنا. أنت لا تجد مبررا لذلك أصلا. فالحكومة تهتم بكل شيء: تطعم الناس وتؤويهم وتكسيهم، والشعب منظم وأليف كالقطط، ووالشوارع نظيفة وتخلو من اي ازدحامات او خروقات لقواعد الطريق، ومراقبو السير على الدراجات مجرد وهم يظهر في الأفلام الأجنبية فقط، حتى انهم يلتزمون باللافتات على الارصفة التي تحدد اوقات الاصطفاف، ويؤون الى النوم بالبيجاما، ويواظبون على تناول الوجبات الثلاث. ما هذا؟ ألم تعرف الفوضى يوما طريقها الى هذا البلد الداجن!
ابتهجت حينما رأيت هيبيين وبوهيميين بشعور طويلة ومجدولة، كأنما رأيت عربيا في بيت شعر وحوله بعير ومهباش وعازف ربابة، الا اني سرعان ما ادركت ان حتى هؤلاء الفوضيون ملتزمون، بل ويعنانون الأرقق ان لم يطفئوا انوار الدرج قبل النوم. حتى ان واحدا من هؤلاء قال لي من الطبيعي ان تفرض المدينة غرامات على المخالفين لانها تحتاج المال. وقد أبدى تفهما في السياق.
كأنهم لم يعرفوا ان بالامكان ان يشطب المرء كذا مخالفة سير بتلفون واحد في عمان، وان موت احدهم في حادث سير يعالج بعطوة وفنجان قهوة سادة، ووجهاء، وكفالة في المخفر.
اختنق جراء هذا النظام المفرط، حتى ان خاطرا جهنميا مر في بالي اليوم: سأفتعل حادث سير. قطعت اشارة حمراء، وتجاوزت سيارات كثيرة وبقيت على المسرب الايسر بغية ان اصطدم بأحدهم: أين رجال دائرة السير؟. ثم ها ان شاحنة مهولة تمر بجانبي فأسرع لأصير بمحاذاتها واصدمها بقوة. هل استجاب سائق الشاحنة؟ لا. بل على العكس، خفف سرعته واصطف جانبا الى ان غاب عن ناظري، حتى ان انه لم يطلق زامورا او يلقي بشتيمة.
إنه بلد ممل وبليد، الناس دائما منهمكون ومشغولون، وفي عجلة حينما يمشون جيئة وذهابا. ألتفت حولي فلا أرى موجبا للاستعجال، وإنما أراهم يمشون في أزواج: شابا وفتاة، رجلا وامرآة، عجوزا وعجوز. يتبادلون قبلات سريعة بمثابة صدأ على الشفاه وبلا معنى، والسيارات بثور على وجه هذه الأرض، والمنازل تفتقد دفء العائلة، والنبيذ أحمر، والأطفال لا يبكون / وكلهم شقر بلا استثناء..
قلت مرارا ان ألمانيا لا تناسبني، فالحكومة هنا تهتم بكل شيء، وهذا مقرف ويجعل للأيام كلها لونا واحدا: أحتاج حكومة مستوزرين منحطة لا تكترث بأحد، وترفع الأسعار دون أن تلقي بالا لرأي الشارع، وتعامل مخيمات اللاجئين كحثالة، وتترك الشوارع قذرة، وتعامل المواطنين من اصول اخرى كأنصاف مواطنين، وتدعي عدم معرفتها بفوضى المواصلات العامة، وتغض النظر عن النفط في البلد الفقير لتتسول اكثر من الدول المتقدمة لتنعم بديمقراطية دمى: حكومة متكرشين ورجال أعمال، وبرلمان متغولين وأذناب سلطة، وأحزاب خردة تكتفي ببيان استنكار وشجب، وشعب خامل منغمس في الارتماء.
ببساطة: أنا أشتاق الأردن!
ابتهجت حينما رأيت هيبيين وبوهيميين بشعور طويلة ومجدولة، كأنما رأيت عربيا في بيت شعر وحوله بعير ومهباش وعازف ربابة، الا اني سرعان ما ادركت ان حتى هؤلاء الفوضيون ملتزمون، بل ويعنانون الأرقق ان لم يطفئوا انوار الدرج قبل النوم. حتى ان واحدا من هؤلاء قال لي من الطبيعي ان تفرض المدينة غرامات على المخالفين لانها تحتاج المال. وقد أبدى تفهما في السياق.
كأنهم لم يعرفوا ان بالامكان ان يشطب المرء كذا مخالفة سير بتلفون واحد في عمان، وان موت احدهم في حادث سير يعالج بعطوة وفنجان قهوة سادة، ووجهاء، وكفالة في المخفر.
اختنق جراء هذا النظام المفرط، حتى ان خاطرا جهنميا مر في بالي اليوم: سأفتعل حادث سير. قطعت اشارة حمراء، وتجاوزت سيارات كثيرة وبقيت على المسرب الايسر بغية ان اصطدم بأحدهم: أين رجال دائرة السير؟. ثم ها ان شاحنة مهولة تمر بجانبي فأسرع لأصير بمحاذاتها واصدمها بقوة. هل استجاب سائق الشاحنة؟ لا. بل على العكس، خفف سرعته واصطف جانبا الى ان غاب عن ناظري، حتى ان انه لم يطلق زامورا او يلقي بشتيمة.
إنه بلد ممل وبليد، الناس دائما منهمكون ومشغولون، وفي عجلة حينما يمشون جيئة وذهابا. ألتفت حولي فلا أرى موجبا للاستعجال، وإنما أراهم يمشون في أزواج: شابا وفتاة، رجلا وامرآة، عجوزا وعجوز. يتبادلون قبلات سريعة بمثابة صدأ على الشفاه وبلا معنى، والسيارات بثور على وجه هذه الأرض، والمنازل تفتقد دفء العائلة، والنبيذ أحمر، والأطفال لا يبكون / وكلهم شقر بلا استثناء..
قلت مرارا ان ألمانيا لا تناسبني، فالحكومة هنا تهتم بكل شيء، وهذا مقرف ويجعل للأيام كلها لونا واحدا: أحتاج حكومة مستوزرين منحطة لا تكترث بأحد، وترفع الأسعار دون أن تلقي بالا لرأي الشارع، وتعامل مخيمات اللاجئين كحثالة، وتترك الشوارع قذرة، وتعامل المواطنين من اصول اخرى كأنصاف مواطنين، وتدعي عدم معرفتها بفوضى المواصلات العامة، وتغض النظر عن النفط في البلد الفقير لتتسول اكثر من الدول المتقدمة لتنعم بديمقراطية دمى: حكومة متكرشين ورجال أعمال، وبرلمان متغولين وأذناب سلطة، وأحزاب خردة تكتفي ببيان استنكار وشجب، وشعب خامل منغمس في الارتماء.
ببساطة: أنا أشتاق الأردن!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أكتوبر 30th, 2008 at 30 أكتوبر 2008 6:19 م
صديقي العزيز …
ربما يكون النظام المفرط ممل ومبالغ فيه كما تقول ولكن أليس العكس هو ما نتذمر منه كثيراً في بلادنا… أليس ما نحتاجه في بلداننا العربية حكومات ديمقراطية تكون مسؤولة عن مواطنيها؟؟؟
أليس هذا ما تحدثنا في كثيرٍ في ليالينا ؟؟ أليست طموحاتنا البسيطة هي أن نعيش ببلد تحترم قيمة المواطن فيها؟
وأخيراً أليس ما كنا نبحث عنه ببساطة هوية ؟؟
لا تحزن يا صديقي فبلادنا العربية كما تشتهي وأكثر .. فارجع فالفوضى هنا بانتظارك
دمت بخير
نوفمبر 3rd, 2008 at 3 نوفمبر 2008 2:33 م
لعل كل منا في الوطن العربي وفي بلده يسعى نحو التغيير واشاعة الديمقراطية والاستقرار الاجتماعي… وأن تقوم الحكومات بما هو ملقى على عاتقها من واجبات اتجاه شعبها.. لكن المفهوم الذي رويته وهو “الغربة” والعيش في بلد لا تنتمي اليه ولا تقارب تقاليده إلى تقاليدك وأعرافك وحتى أفكارك ستكون بلدا من غير الممكن أن تعيش فيها وإن كانت الجنة التي نحلم ان تتحقق في بلداننا… سافرت لأماكن عدة ومن بينها الولايات المتحدة الأمريكية التي ارى شبابنا العربي يتصارع للعمل والعيش بها وهم لا يدرون رغم ديمقراطيتها كما يقال الا انها بلد تفتقد لمعنى الحياة الإجتماعية ومعنى الأسرة والأصدقاء والإحساس بمدى أهمية أن تجد مكانا وإن كان بغير المستوى الذي تطمح اليه ولكنه يجمعك أنت واصدقائك كل ليلة لتحتسي قهوة ووتأخذ النرجيلة أو السيجارة وتتبادل أطراف الاحاديث معهم … فرغم تقدم تلك الدول بمختلف المستويات إلا انها باتت تتقدم على حساب حياة أخرى لا يستطيع أي عربي أن يعيش فيها…. وإن عاش فإنه سيفتقد لجزء هام من حياته سيدرك أهميته بعد فوات الأوان…
دائما كنت أقول عبارة لأصدقائي وهي “الله يعز بلادنا” رغم ما فيها من مشكلات فلا أسوأ ان تعيش بعيدا عن مكان عشت وتربيت فيه ولديك ذكريات جميلة تحملك اليه دائما….
فلقد اشتقنا اليك يا صديقي كما اشتاقت الاردن اليك والى كل اردني مغترب عنها
نوفمبر 3rd, 2008 at 3 نوفمبر 2008 8:56 م
أوافقك الرأي يا فرح إن كانت الغربة التي تتحديثين عنها مجرد غربة عن وطن وغربة عن تقاليد وقيم وأعراف …
ولكن واقع الحال هنا أننا نعيش غربة أوحش وهي غربتنا في أوطاننا .. عندها فقط يفقد الوطن معناه وتضيق المسافة به ليصبح منفى داخل وطن…
وهنا أستشهد بقول محمود درويش :
“للمنفى أسماء كثيرة، ووجهان: داخليّ وخارجيّ. المنفى الداخلي هو غُرْبَةُ المرء عن مجتمعه وثقافته، وتأمّل عميق في الذات، بسبب اختلاف منظوره عن العالم وعن معنى وجوده عن منظور الآخرين، لذلك يشعر بأنه مختلف وغريب. وهنا، لا تكون للمنفى حدود مكانية. إنّه مقيم في الذات المحرومة من حريتها الشخصيّة في التفكير والتعبير، بسبب إكراه السّلطة السياسية أو سلطة التقاليد. يحدث هذا في المكان المضادّ، تعريفاً للمنفى. يحدث هذا داخل الوطن.”
كما أعتقد يا صديقي ويا صديقتي بأنه كما هو الاحتلال منفى والحدود منفى فإن غياب الحرية منفى. وغياب السلام منفى. وليس المفنى دائما طريقاً أو سفراً. بل هو انسدادُ الأفق بالضباب الكثيف.
أرجو أن تكون قد وصلت وجهة نظري في الموضوع
نوفمبر 11th, 2008 at 11 نوفمبر 2008 4:43 م
gr8