فقد
كتبهاحكيم الأسمر ، في 25 تشرين الأول 2008 الساعة: 15:08 م

صديقي، تعلم ان موتك سبب جلبة وقلب الايام رأسا على عقب، وان الاوان قد آن لتعود!، ولكنك تأبى كما يفعل درويش، وكأن فكرة البقاء في المدافن طابت لكما، انت ودرويش. لم اعزي احد حينما سمعت، فانا الذي فقد. ولا احد سواي.
صباح الثلاثاء اتصلت بصديقك الذي لم أفهم ابدا سر صداقتك به، فأنت لا تحب الاساتذة / تكره الموظفين والحريصين والملتزمين بالوجبات اليومية الثلاث, وارتداء البيجاما عند النوم.. تحب البربريين، رغم حرصك الشديد على ان توصيني ان لا ادع ديستوفيسكي يدمر نمط حياتي، او ان افسح المجال لكافكا ليقودني الى الخراب والرعونة، حتى انتهي وحيدا كخيمة مضروبة في العراء.. وهو ملتزم جدا، واب جيد على الارجح.
هاتفت حلمي اذن، وانا المنفي اختياريا هنا في المانيا، البلد المنظم والنظيف حد المرض. قلت له ان يسلم عليك، ويعتذر لك لاني غادرت البلد حتى دون ان اراك، فقال حسن.
صباح الجمعة عاودت الاتصال، فقال لي: مات. فعبست.
وبالفعل، تفاعلت مع الخبر، ونصبت خيمة عزاء، واولمت لأناس رطنوا بالالمانية معزين بفقيد من طراز فريد، وناحت نساء القرية، ولاحظت غلمانا لم يحترموا المناسبة وتبادلوا النكات وكتموا ضحكاتهم حالما نظرت اليهم، وحضر شعراء تفعيلة، ومثقفون رثون، وموظفون حكوميون منحنون بلا هيبة تذكر، وتطفل نازيون حليقو الرؤوس وحاولوا ان يفسدوا الحدث.. ولكني كنت قد رحلت قبل ان ارى ذلك يحدث، واقسم ان اجراس كنائس الاحد دقت حزنا عليك، وان المصلين بكوا، وان منازل قرية هوتين - القرية التي اقطن، رفعت الرايات السود حدادا، وان ايريكا وكريستينا واندريا وكارين وفرانك ومارسيل واسوني بإنجليزية ركيكة، وإن دمعة كادت تطفر من عين آنا حينما عانقتني.. وإني كنت قد رحلت عن القرية حينما حدث كل هذا، فكل هذا الزحام اشعرني بوحدة مخيفة.
نأيت بنفسي عن كل هذي الضوضاء، وهاتفت صديقة غاضبا لانها لم تخبرني حالما مت، ولا اخفيك اني شتمت. قالت انها لم تشأ ان تفسد يومي، وإنها بكت نصف دموعها حزنا عليك, ونصفا حزنا علي حينما اسمع بالخبر…
وهأنا، شئت أم أبيت، وحيد.. تماما كخيمة مضروبة في العراء. ولا يمكن للمنفى ان يكون اسوأ ما يمكن يحدث، ولم أكن لأعزي احد.. فانا الذي فقد.
http://www.addustour.com/ViewTopic.aspx?ac=\OpinionAndNotes\2008\10\OpinionAndNotes_issue374_day15_id89167.htm
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أكتوبر 27th, 2008 at 27 أكتوبر 2008 7:35 م
والله ابكيتني يا اسمر