.. بخصوص الكرامة والشعب العنيد

كتبهاحكيم الأسمر ، في 3 تموز 2008 الساعة: 21:31 م

ما كانت مسرحيات زياد الرحباني الشاب المتمرد, الخارج من عباءة الأخوين الرحباني قبل ما يزيد عن 3 عقود, سوى نبوءة مبكرة لعبقرية موسيقية وسياسية حتى, للبنان مقسم منذ استقل.. وإنذار بتقسيم عاث في تلك البلاد فسادا وفرقة..

فالرحباني, الكاتب في جريد “الأخبار” اللبنانية ما تغير مذ عام 1975, حين ألف ومثل مسرحيات شهيرة كـ”بالنسبة لبكرا شو” وغيرها, عالج واقعا “لبنانيا” بحتا, ما تواجد مثيله آنذاك سوى في بلاد الأرز, المتشدقة حرية وديمقراطية, المتفسخة شللية وإثنية. وها هو, كما كتب يوما في “الأخبار” يكرر: ما قلناه قبل الحرب الأهلية يتكرر الآن كما وقع فعلا في 1979.

وأراني لسبب أجهله, مقتنعا بضرورة تشبيه نبوءة الرحباني بما تيسر لنا رؤيته من حراك شبابي ومجتمعي تحت إسم “إضراب 4 أيار: ضد الغلاء وبيع ممتلكات الوطن“.

قدر سهل صدفة غير مرتبة لمجموعة من الشباب العاجزين حتى عن التكلم سوى في فضاء افتراضي, لينظموا ويقودوا من خلف شاشاتهم أول إضراب “حقيقي” في الأردن منطلقا من الإنترنت, ومن الموقع التفاعلي “فيس بوك دوت كوم“.

كعضو في موقع كهذا وجدتني أعلن أني ذاهب للإضراب مع أؤلئك الشباب.. وحتى النهاية, وبغض النظر عن تغطية إعلامية مفترضة لهكذا حدث مهما بدا ضائع الوجهة وعشوائي التنظيم. ورأيت, كما رأى بعضنا أن الإضراب قد وجب مقاطعته إعلاميا لتقزيمه, وقد اعتقل شباب على إثره في حال لم يسمع البعض عن هذا أيضا, وهذا ما أعادني إلى جدلية العلاقة بين مواطن لا يحكم في وطنه على ما ملكت يمينه, ودولة يحلو لها بيع كل شيء تحت بند “الخصخصة“.

أين نحن من العلاقة التكاملية والتكافلية مع الهرم الإداري هنا بالتحديد؟

كثيرون لا يكترثون حينما يعلن عن خصخصة قطاع ما, وربما يرى آخرون أن في ذلك مصلحة كبيرة بالنسبة لهم كمواطنين, على ما ينطوي ذلك على تطوير وتحديث في مستوى الخدمة, ولكنا -جميعا بلا استثناء- مضطرون للاعتراض حينما تتغول الخصخصة, وتبدأ تلتهمنا أحياء, أو تتركنا بلا قوت ولا قوة, والأسوأ من هذا وذاك, حتى الاعتراض مرفوض في هكذا حالة: أي حرية هذه؟

لا نمانع في قمعنا الآن! وأقصى ما يمكننا طلبه أن يستأنس برأينا على الأقل, وهذا بجد أقصى ما نطلب الآن,

ولا أدري إن كان ثمة الكثيرون يجهلون أنهم هم “الدولة”. بما يمثلونه كمواطنين مفترضين, وعاملين وموظفين وجوعانين ومقهورين, وأناس مخولين باختيار نوابهم في برلمان أشبه بنادي رجال أعمال, وغيتو متكرشين ومتصابين!

حريتنا أن نكون كمان لا يريد لنا أحد أن نكون, أن نخرج للشارع كما فعل اليمنيون حينما قررت حكومتهم رفع الأسعار, قالوا: نحن لسنا الشعب الأردني! وها صرنا مثالا للبلادة والاستكانة, وفي الأثناء ثمة ألف شاغل وشاغل لنا, تشكل حججا مقنعة لنا كي لا نضرب!

أيلاحظ أحدكم كم دورية سير يرى في طريقه للعمل, مثلا, كل صباح؟ كم كاميرا مراقبة تتبعه وتراقبه ولا تراه سوى مخالف محتمل لقوانين مجحفة لا تستهدف سوى الدفع اليومي بقدر ما تستهدف تطبيق النظام؟

أي حقبة من حقب الأحكام العرفية نعيش؟ أي مفهوم للدولة المدنية هذه بممارساتها البوليسية المطلقة؟

المدهش أن ثمة مئة نوع من الشرطة منتشرة في البلد الآن, كأننا نرجع بالزمن للوراء, ولم يتبق سوى أن نشهد محاكم تفتيش واعتقالات بالجملة.

أحسد مصر, على سوء حالها الآن, ولسبب وحيد: قد اعتقل كمواطن قرر الإضراب ونزل للشارع هناك, وهذا أحلى ما تلك البلد. ولكنا هنا, لم نجرؤ على الخروج بعد! وهذه هي المهزلة..

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر